السيد الطباطبائي
218
الإنسان والعقيدة
حجاب إيمانا بالغيب ، وهم المحسنون في عملهم . وقد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عن الإحسان ، فقال : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » « 1 » . والفرق بين هذه الطبقة وسابقتها ، فرق ما بين إنّ وكأنّ . الطبقة الثالثة : غير أهل الطبقتين الأوليين ، من سائر النّاس وعامّتهم . وهذه الطائفة ، باستثناء المعاند والمكابر الجاحد ، طائفة تمكنها الاعتقاد بالعقائد الحقّة الراجعة إلى المبدء والمعاد ، والجريان عملا على طبقها في الجملة لا بالجملة . وذلك من جهة الإخلاد إلى الأرض واتّباع الهوى وحبّ الدنيا ، فإنّ حبّ الدنيا وزخارفها يوجب الاشتغال بها ، وكونها هي المقصود من حركات الإنسان وسكناته . وذلك يوجب انصراف النفس إليها ، وقصر الهمّة عليها ، والغفلة عمّا ورائها ، وعمّا توجبه الاعتقادات الحقّة من الأحوال والأعمال ، وذلك يوجب ركودها ووقوفها ، أعني الاعتقادات الحقّة على حالها ، من غير تأثير لها وفعليّة للوازمها وجمود الأعمال والمجاهدات البدنيّة على ظاهر نفسها وأجسادها ، من غير سريان أحوالها وأحكامها إلى القلب وفعليّة لوازمها ، وهذا من الوضوح بمكان . مثال ذلك : إنّا لو حضرنا عند ملك من الملوك وجدنا من تغيّر حالنا وسراية ذلك إلى أعمالنا البدنيّة من حضور القلب والخشوع والخضوع ما لا نجده في الصلاة البتّة ، وقد حضرنا فيها عند ربّ الملوك . ولو أشرف على شخصنا ملك من الملوك ، وجدنا ما لا نجده في أنفسنا ، ونحن نعتقد أنّ اللّه سبحانه يرى ويسمع ، وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد ، ونعتمد على
--> ( 1 ) بحار الأنوار : 67 / 196 ، باب 53 - النيّة وشرائطها ومراتبها وكمالها - الرابعة : من يعبده حياء ، الحديث 2 .